جلال الدين السيوطي

159

الإتقان في علوم القرآن

ومناجاته فقالوا : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 ) « 1 » . تنبيهات الأول : شرط الالتفات أن يكون الضمير في المنتقل إليه عائدا في نفس الأمر إلى المنتقل عنه ، وإلّا يلزم عليه أن يكون في : ( أنت صديقي ) التفات . الثاني : شرطه - أيضا - أن يكون في جملتين ؛ صرّح به صاحب الكشاف وغيره ، وإلّا يلزم عليه أن يكون نوعا غريبا « 2 » . الثالث : ذكر التّنوخيّ في « الأقصى القريب » وابن الأثير وغيرهما : نوعا غريبا من الالتفات ، وهو بناء الفعل للمفعول بعد خطاب فاعله أو تكلمه ، كقوله : غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ بعد أَنْعَمْتَ . فإنّ المعنى : ( غير الذين غضبت عليهم ) وتوقّف فيه صاحب « عروس الأفراح » « 3 » . الرابع : قال ابن أبي الإصبع : جاء في القرآن من الالتفات قسم غريب جدا ، لم أظفر في الشعر بمثاله ، وهو : أن يقدّم المتكلم في كلامه مذكورين مرتبين ، ثم يخبر عن الأول منهما ، وينصرف عن الإخبار عنه إلى الإخبار عن الثاني ، ثم يعود إلى الإخبار عن الأول ، كقوله : إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ( 6 ) وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ( 7 ) [ العاديات : 6 ، 7 ] انصرف عن الإخبار عن الإنسان إلى الإخبار عن ربه تعالى ، ثم قال منصرفا عن الإخبار عن ربه تعالى إلى الإخبار عن الإنسان : وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ( 8 ) [ العاديات : 8 ] قال : وهذا يحسن أن يسمّى التفات الضمائر . الخامس : يقرب من الالتفات نقل الكلام من خطاب الواحد أو الاثنين أو الجمع لخطاب الآخر ، ذكره التنوخيّ وابن الأثير . وهو ستّة أقسام أيضا « 4 » : مثاله من الواحد إلى الاثنين : قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ [ يونس : 78 ] . وإلى الجمع يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطلاق : 1 ] .

--> ( 1 ) انظر تفصيل أقوال العلماء في هذا الالتفات في « تفسير سورة الفاتحة » بقلم العبد الفقير إلى مولاه ، كاتب هذه التعليقات ، والبرهان 3 / 326 - 328 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 331 . ( 3 ) انظر البرهان 3 / 325 . ( 4 ) انظر البرهان 3 / 334 - 337 .